
في الوقت الذي تئن فيه المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس تحت وطأة شح السيولة وارتفاع نسب الفائدة، يبرز تساؤل قانوني واقتصادي حارق: أين هي الخطوط التمويلية المجانية التي أقرها القانون منذ عام 2024؟
الحديث هنا عن الفصل 412 من المجلة التجارية، التي ولدت من رحم تعديلات قانون الشيكات الشهير (القانون رقم 41 لسنة 2024). هذا النص الذي وُصف بـ"الثوري" وأحياناً بـ"الشعبوي"، يلزم البنوك التونسية بتخصيص 8 بالمائة من أرباحها السنوية لتمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة دون فوائد وبلا ضمانات.
بالنظر إلى الأرقام المعلنة، حققت 17 بنكاً تونسياً في عام 2024 أرباحاً إجمالية ناهزت 1754 مليون دينار. وبحسبة بسيطة، كان من المفترض أن تضخ هذه البنوك ما لا يقل عن 140 مليون دينار في شكل قروض دون فوائد خلال عام 2025 و2026.
إلا أن الواقع الراهن يصدم بحقيقة مرّة: هذه المبالغ لا تزال حبراً على ورق، اذ تبرر البنوك عدم تفعيل هذا الفصل القانوني بعدم صدور الأمر الترتيبي" الذي يحدد ضوابط ومعايير إسناد هذه القروض.
يرى مراقبون أن صمت البنك المركزي التونسي ليس مجرد بطء إداري، بل هو انعكاس لصراع إرادات خلف الكواليس. فالبنوك التونسية تعتبر هذه الإجراءات "غير قابلة للتطبيق" لعدة أسباب تقنية وهيكلية من ذلك حقوق المساهمين فالأرباح ملك للمساهمين الذين ينتظرون توزيع الأرباح، واقتطاع نسبة منها لمنحها كقروض "مجانية" يعتبره البعض "مصادرة" غير قانونية للملكية الخاصة.
الى ذلك طبيعة العمل البنكي، اذ ان البنك مؤسسة تشتري المال وتبيعه بهامش ربح؛ وإجباره على الإقراض بفائدة 0 بالمائة وبدون ضمانات يضرب في العمق سياسات إدارة المخاطر ومعايير "بازل" الدولية التي تلتزم بها تونس.
من جهة اخرى يخشى البنك المركزي أن يؤدي التسرع في تطبيق هذا النص إلى إضعاف الملاءة المالية للبنوك وتخفيض تصنيفها الائتماني دولياً. إن الوضع الحالي يكرس حالة من "الانفصام التشريعي" في تونس. فمن جهة، يصدر البرلمان قوانين تحمل وعوداً اجتماعية واقتصادية كبرى، ومن جهة أخرى، تجد السلطة التنفيذية والقطاع المالي أنفسهما أمام نصوص تصعب ترجمتها إلى واقع ملموس دون زعزعة أركان النظام المصرفي.
هذا الفراغ التنفيذي لا يخدم أحداً، فهو يعمق أزمة الثقة بين المواطن (صاحب المؤسسة الصغيرة) وبين مؤسسات الدولة، ويجعل من القوانين مجرد شعارات سياسية تفتقر للآليات العملية.
هل ستنجح الحكومة في غضون عام 2026 في إيجاد "صيغة توفيقية" لإخراج مبلغ 140 مليون دينار من خزائن البنوك إلى جيوب أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة؟ أم أن الفصل 412 سينضم إلى قائمة القوانين "الميتة سريرياً" التي تزيد من ضبابية المشهد الاقتصادي التونسي؟
م.ز
تم النشر في 19/02/2026
