تسبَب هطول الامطار في الأيام الأخيرة على تونس وبكميات كانت قياسية في بعض المناطق من البلاد، في خسائر بشرية بوفاة أربعة تونسيين وتضرر البنية التحتية للطرقات وكذلك تضرر عدد من المنازل والممتلكات الخاصة.
ويستدعي ما يحصل في تونس وفي عدة دول من العالم من تغيرات مناخية جذرية من سماتها هطول قياسي للأمطار في وقت قصير وفي فترات متكررة من العام، من السلطات في تونس التفكير جديا في ادراج الكوارث الطبيعية في الأولويات التنموية والاقتصادية.
ومن هذا المنطلق بات لزاما على تونس وعلى غرار ما قامت به عدة دول مجاورة مثل المغب والجزائر سن تشريعات جديدة لإجبارية التامين ضد الكوارث الطبيعية واعتمادها عند اكتتاب عقود التامين، خاصة لدى عموم المواطنين ولو ان عدد قليل وضئيل من الشركات في تونس تقوم بالتامين على الكوارث الطبيعية على غرار الحريق.
وفي الحقيقة فان تونس انطلقت تقريبا منذ ثلاث سنوات في انجاز دراسة بالتعاون مع البنك الدولي لإمكانية إقرار عقود تامين ضد المخاطر والكوارث الطبيعية. وبحكم أن تونس ضمن خانة الدول "عالية الأخطار" في التعرض للكوارث الطبيعية، شرعت في التحوط من هذه التداعيات والتقليل من تداعياتها الاقتصادية وكلفتها المالية، بإرساء منظومة تأمين إلزامية ضد الكوارث الطبيعية من خلال دراسة يعدها البنك الدولي بالتعاون مع وزارة المالية.
وبحسب المعلومات المتوفرة، فإن هذه الدراسة في لمساتها الأخيرة وقد تفضي الى إرساء الى منظومة تأمينية ستكون إجبارية خصوصاً ضد الزلازل والفيضانات على المتساكنين وأصحاب الشركات والمؤسسات الاقتصادية بمختلف أصنافها بإلزام إدراج عنصر الكوارث الطبيعية في عقود التأمين المكتتبة.
التصورات الخاصة بالتأمين
من ضمن التصورات والحلول المقترحة التي يتم الاشتغال عليها عبر هذه الدراسة ارساء منظومة التأمين ضد الكوارث الطبيعية بتحديد تعريفة التأمين اللازمة وأن هذا النوع يمكن أن يكون نموذجاً يجمع مؤسسات التأمين لجمع الأموال من الشركات والمواطنين بعنوان التأمين ضد الكوارث الطبيعية وتحويلها في منظومة إعادة التأمين.
ومن بين مسالك التفكير التي قد نفرزها الدراسة عند الانتهاء من انجازها فإن المواطنين أو أصحاب الشركات الاقتصادية أو السياحية أو التجارية أو الصناعية التي لا تعمل على إنجاز التأمين ضد الكوارث الطبيعية، فإنهم يعدون مخالفين، وأنه في حال حصول كارثة طبيعية في البلاد لا يمكنهم الحصول على التعويضات اللازمة.
تونس عرضة للمخطر الطبيعية
وفق المعلومات المتوفرة أفرزت الدراسة أن تونس عرضة لثلاثة أنواع من الكوارث الطبيعية هي الزلازل نظراً لتواتر الرجات الأرضية التي وصلت إلى معدل ثلاث درجات في عدد من مناطق البلاد مثل جزيرة قرقنة وولاية صفاقس، وولاية وقفصة وخطر الفيضانات إذ عانت البلاد من الظاهرة ومنها ما شهدته ولاية نابل في سبتمبر 2018 من فيضان ترتب عنه تعويض الأضرار بقيمة 300 مليون دينار، وتفطنت السلطات خلال هذه الفيضانات إلى أن عديداً من الشركات والمصانع ووحدات سياحية غير مؤمنة ضد الفيضانات.
أما الكارثة الطبيعية الثالثة فهي الجفاف عبر صندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية الذي تتصرف فيه شركة تأمين حكومية برصد مبلغ بقيمة 30 مليون دينار سنوياً على أن تقتطع نسبة من مساهمات المزارعين والبحارة.
ووضع تقرير مؤشر الأخطار العالمي لسنة 2024 عدداً من الدول ضمن خانة الدول عالية الأخطار من حيث التعرض للكوارث الطبيعية، ووفق التقرير الألماني الصادر عن حلف من المنظمات الإغاثية، ومعهد "القانون الدولي للسلام والنزاعات المسلحة"، تصدرت الصومال قائمة الدول الأكثر عرضة للكوارث الطبيعية في المنطقة العربية، إذ حلت في المرتبة 14 عالمياً. فيما تصدرت مصر قائمة دول شمال أفريقيا في هذا الصدد بعدما حلت في المركز الـ26، ثم ليبيا التي حلت في المركز الـ37، فتونس والجزائر اللتان جاءتا في المركزين الـ55 والـ58 توالياً ثم موريتانيا التي بوأها المؤشر الرتبة الـ62 باعتبارها أقل الدول المغاربية عرضة للكوارث الطبيعية. ويغطي التقرير 193 دولة عضواً في الأمم المتحدة جرى تصنيفها اعتماداً على مجموعات من المؤشرات الفرعية المرتبطة بتعرض الدولة للكوارث الطبيعية وقدرتها على الاستجابة والتعامل مع هذه الكوارث.
خطة تحسيسية لشركات التامين
في سياق الوضع الراهن من تهاطل الامطار بكميات كبيرة تستعد شركات التامين في تونس حاليا الى اعتماد خطة تحسيسية من اجل حث المواطنين والشركات الصناعية والمؤسسات التجارية على ابرام عقود تامين تنص صراحة على التامين ضد الكوار ث والمخاطر الطبيعية.
وتظهر الإحصائيات المتوفرة حالياً أن العقود المكتتبة لدى شركات التأمين في ما يخص الوقاية من الكوارث لا تتجاوز 12 في المئة فقط، وهو رقم ضعيف جداً"، سيما و أن هذا النوع من التأمين لا يزال اختيارياً في تونس وليس إجبارياً في الوقت الراهن.
إحصاء 2500 كارثة طبيعية
أدت الكوارث الطبيعية في تونس إلى وفاة 1098 شخصاً، في الفترة الممتدة من 1980 إلى 2023 وألحقت أيضاً أضراراً بنحو 300 ألف شخص، ودمرت نحو 45 ألف منزل، وفق بيانات لوزارة الفلاحة.
وسجلت البلاد 2500 كارثة طبيعية تسببت في فقدان 1075 شخصاً بين عامي 1980 و2013 استناداً إلى المعطيات التي أوردتها وزارة البيئة عام 2014 في قاعدة البيانات حول الخسائر الناجمة عن الكوارث. وبلغت الخسائر والأضرار الناجمة عن فيضانات محافظة نابل في سبتمبر 2018 نحو 106 ملايين دولار مع فقدان 2400 موطن شغل.
ويتوقع البنك الدولي، في تقرير أصدره سابقاً، أن يؤثر ارتفاع مستوى سطح البحر على ربع المنطقة الساحلية في تونس في غضون عام 2050 مما قد يؤدي إلى خسارة أراض بقيمة تناهز 1.6 مليار دولار. ومن المتوقع تضاعف احتمال حدوث فيضانات كارثية 10 مرات، وقد تصل كلفة إعادة تهيئة الطرقات بعد هذه الفيضانات إلى 277 مليون دولار بحلول عام 2050.
مهدي الزغلامي
تم النشر في 21/01/2026
