version française ilboursa

رضا الشكندالي يُحلَل أسباب عدم شعور التونسيين بانخفاض التضخم

تحت عنوان "لماذا لا يشعر التونسي بانخفاض التضخم؟ عندما تكذب الأرقام على القفة" قدم أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي قراءة تحليلية في مسار التضخم في تونس، معتبرا ان "التضخم في تونس لم يكن مجرد ظاهرة نقدية ظرفية، بل تحوّل تدريجيًا إلى آلية لإعادة توزيع الدخل على حساب الأجراء والطبقة الوسطى، وإلى عامل تفكيك صامت للاستقرار الاجتماعي".

ولاحظ ان هناك فجوة تتزايد من شهر الى آخر بين أرقام المعهد الوطني للإحصاء وما يعيشه المواطن فعليًا في حياته اليومية. فخلال الفترة من جانفي 2015 الى جانفي 2026، وهي الأرقام التفصيلية المتاحة حاليا، ارتفع معدل التضخم من حوالي 5% في جانفي 2015 ليبلغ ذروته في ماي 2023 عند 10.3%، قبل أن يتراجع تدريجيًا ليصل إلى 4.8% في جانفي 2026.

غير أن هذا التراجع الأخير وفق رايه، لا يعكس تحسنًا حقيقيًا في مستوى العيش، بل يشير فقط إلى تباطؤ وتيرة الغلاء بعد أن تكون الأسعار قد بلغت مستويات مرتفعة يصعب التراجع عنها. متابعا بالقول " فالتضخم لا يُقاس فقط بسرعة ارتفاع الأسعار، بل أيضًا بمدى قدرة المجتمع على امتصاصه".

وتابع تحليله للوضعية بالتوضيح انه " إذا استعملنا تطور المؤشر العام للأسعار عند الاستهلاك وأخذنا بعين الاعتبار كامل قفة المواطن التونسي، فإن معدل التضخم المالي خلال ال 11 سنة الماضية أي منذ جانفي 2015 الى حدود جانفي 2026، يساوي 8.5 %."

إشكالية المؤشر العام للأسعار

ويعتقد الشكندالي ان الإشكال الأكبر يكمن في طبيعة المؤشر العام للأسعار عند الاستهلاك، الذي يُستعمل عادة لقياس التضخم، فهذا المؤشر يدمج في مكوّناته مواد مدعّمة، وأخرى غير أساسية، وخدمات لا تمثل أولوية في إنفاق أغلب الأسر، وهو ما يؤدي إلى “تخفيف إحصائي” من حدّة الغلاء الحقيقي. لذلك، فانه عندما يتم الانتقال إلى ما يمكن تسميته بالتضخم المعيشي أو الانطباعي، أي ذلك المرتبط بقفة استهلاك المواطن التونسي التي تمثل حوالي 62.5% من إنفاقه الشهري، تتغير الصورة جذريًا.

وأشار الى ان أسعار المواد الغذائية الأساسية، مثل اللحوم، والخضر، والغلال، واللباس والأحذية، شهدت زيادات مرتفعة ومتواصلة، كما ارتفعت كلفة الخدمات القسرية مثل الكراء، والصحة، والتعليم، وهي نفقات لا يمكن للأسر الاستغناء عنها أو تقليصها بسهولة.

واستنتج في هذا الإطار أن الجزء الأكبر من دخل المواطن أصبح موجّهًا لتغطية الضروريات، على حساب الادخار، أو تحسين مستوى العيش، أو الاستثمار في رأس المال البشري، موضحا ان المؤشر العام للأسعار عند الاستهلاك، المعتمد رسميًا، يدمج بين مواد مدعّمة وأخرى غير أساسية، ويعطي وزنًا نسبيًا لخدمات لا تمثل أولوية في إنفاق غالبية التونسيين.

تراكم عدة اختلالات

من جهة أخرى قال أستاذ الاقتصاد انه لا يمكن تفسير هذا المسار فقط بعوامل نقدية، بل هو نتيجة تراكم عدة اختلالات، من بينها تضخم كلفة الإنتاج، وارتفاع أسعار الواردات، وتراجع قيمة الدينار، وضعف الإنتاج المحلي، إضافة إلى محدودية السياسات العمومية الموجهة لدعم الدخل.

وهذا يعني من وجهة نظره أن هذا المسار للتضخم المالي يبيّن أن هناك اختلال عميق في منوال النمو، فالتضخم في تونس لم يكن فقط نتيجة اقتصادية توسعية للكتلة النقدية والاقتراض المفرط للدولة من البنك المركزي، بل كذلك نتيجة لتراجع الإنتاج، وارتفاع كلفة الواردات، وضعف الاستثمار، وانخفاض قيمة الدينار، فمع غياب نمو حقيقي يخلق الثروة وفرص العمل، تحوّل التضخم إلى ضريبة غير مباشرة يدفعها المواطن يوميًا، دون أن يقابلها تحسن في الخدمات العمومية أو في آفاقه الاقتصادية.

أما من الناحية اجتماعيًا، فقد أدّى هذا الوضع إلى إعادة تشكيل صامتة للبنية الاجتماعية اذ يرى ان الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخيًا صمام أمان اجتماعي، بدأت تفقد قدرتها على أداء هذا الدور، مع تآكل قدرتها الادخارية، وارتفاع اعتمادها على القروض، وتراجع استهلاكها النوعي في مجالات الصحة والتعليم والثقافة.

وأدى هذا الوضع إلى تآكل الطبقة الوسطى، وتوسع دائرة الهشاشة، وارتفاع الاعتماد على الاستدانة، سواء من القطاع البنكي أو من القنوات غير الرسمية، فضلاً عن تنامي الاقتصاد الموازي كآلية بقاء.

تحول بنيوي

وشدد رضا الشكندالي على ان مسار التضخم في تونس بين 2015 و2026 يظهر أن تونس ليست أمام أزمة غلاء عابرة، بل أمام تحوّل بنيوي في العلاقة بين الأجور والأسعار والدولة.

ويؤكد ان التراجع الظرفي في معدل التضخم لا يكفي لإقناع المواطن بأن وضعه يتحسن، طالما لم تُستعد قدرته الشرائية المفقودة، وطالما لم يُعاد بناء عقد اجتماعي جديد يربط بين العمل والإنتاج والعيش الكريم.

ولفت الى انه من دون ذلك، سيبقى التضخم، حتى في مستوياته “المنخفضة”، عامل استنزاف يومي للدخل، اذ ان البلاد لا تعيش مجرد موجة غلاء ظرفية، بل مسارًا بنيويًا من تآكل الدخل الحقيقي، حيث أصبح التضخم تجربة يومية يعيشها المواطن.

وخلص بالتأكيد على انه "من دون مراجعة شاملة لسياسات الدخل، وإعادة توجيه الدعم نحو الفئات المتضررة فعليًا، وربط الأجور بمؤشرات تعكس كلفة العيش الحقيقية، فإن أي تراجع اسمي في التضخم سيبقى بلا أثر ملموس على حياة التونسيين."

م.ز

 

تم النشر في 10/02/2026

الأكثر قراءة