
في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية بين القارة السمراء وتنين آسيا، تستعد تونس لدخول مرحلة جديدة في علاقاتها التجارية مع الصين.
فاعتباراً من 1 ماي 2026، ستنضم تونس رسمياً إلى قائمة الـ 53 دولة إفريقية التي ستستفيد من إلغاء كامل للرسوم الجمركية على صادراتها نحو الأسواق الصينية. هذا الإجراء، الذي أعلنت عنه بكين ضمن رؤيتها لتعميق التعاون "الصيني-الإفريقي"، يمنح المنتجات التونسية ميزة تنافسية غير مسبوقة للوصول إلى واحد من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم دون قيود جمركية.
فرص واعدة للمنتجات "الخضراء"
يرى الخبراء أن هذا القرار يمثل "طوق نجاة" لعدة قطاعات حيوية في تونس، حيث من المتوقع أن تشهد الصادرات التونسية طفرة في مجالات محددة على غرار الصناعات الغذائية وعلى رأسها زيت الزيتون البكر، التمور (دقلة النور)، والمنتجات البحرية، وهي مواد تحظى بطلب متزايد من الطبقة المتوسطة الصينية.
وينتظر ان تعرف الصناعات الميكانيكية والكهربائية خاصة مكونات السيارات التي تشهد تونس تطوراً كبيراً في تصنيعها طفرة هامة نظرا لتعزيز التعاون التجاري مع الصين. الى ذلك المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، مما يفتح الباب أمام المؤسسات الناشئة والمصنعين المحليين لمنافسة كبار الموردين الدوليين في الصين علاوة على تحديات الجودة واللوجستيك.
رغم الإعفاء الجمركي، يعتقد محللون اقتصاديون أن "الصفر جمارك" لا يعني بالضرورة تدفقاً آلياً للصادرات، فالنجاح في السوق الصينية مشروط بتجاوز ثلاث عقبات رئيسية يتعلق الأول بالمعايير الفنية والصحية اذ تشتهر الصين بصرامة قوانينها المتعلقة بالسلامة الصحية والبيئية، مما يتطلب تكييفاً سريعاً للمصانع التونسية ويتمثل الشرط الثاني في سلاسل التوريد بضرورة تطوير اللوجستيك البحري والجوي لضمان وصول المنتجات بتكلفة تنافسية وفي أجال قصيرة.
اما الشرط الثالث فيهم الدبلوماسية الاقتصادية نظرا للحاجة إلى استراتيجية وطنية قوية للتسويق لعلامة "صنع في تونس" داخل المقاطعات الصينية.
نحو تقليص العجز التجاري المزمن
يعاني الميزان التجاري التونسي من عجز هيكلي حاد تجاه الصين، حيث تميل الكفة لصالح الواردات الصينية بشكل كبير، وتأتي هذه المبادرة كأداة اقتصادية فعالة قد تساهم، على المدى المتوسط، في إعادة التوازن للمبادلات التجارية وتخفيف الضغط على العملة الصعبة عبر الرفع من قيمة الصادرات.
واستمرت الصين في عام 2025 كأحد أكبر مصادر العجز التجاري لتونس اذ قدرت المبادلات بعجز تجاري تجاوز 8.5 مليار دينار تونسي لصالح الصين. وظلت الصين في المرتبة الأولى أو الثانية (تبادلاً مع إيطاليا في بعض الأشهر) من حيث الدول التي تساهم في تفاقم العجز التجاري التونسي.
وشكلت الواردات الصينية جزءاً كبيراً من احتياجات السوق التونسية، وتركزت أساساً في التجهيزات والآلات وتحديدا المعدات الصناعية، الأجهزة الإلكترونية، والهواتف الذكية الى جانب المواد الأولية ونصف المصنعة اساسا المواد البلاستيكية، الأقمشة، والمواد الكيميائية التي تحتاجها الصناعة المحلية.
أما الصادرات التونسية إلى الصين فهي متواضعة جدا ورغم ضعف الميزان التجاري، إلا أن عام 2025 شهد "ديناميكية جديدة" في نوعية الصادرات اذ سجلت الصادرات نمواً ملحوظاً لزيت الزيتون بعد حملات ترويجية مكثفة في مدن مثل بكين وشنغهاي.
وبالنسبة الى الفسفاط ومشتقاته فقد عادت الصين لتكون وجهة لبعض شحنات الأسمدة والفسفاط التجاري، فضلا تطور ملموس للمنتجات البحرية: خاصة السرطان الأزرق (داعش البحر) والأسماك المجمدة.
اجمالا تمتلك تونس اليوم ورقة رابحة للدخول بقوة إلى السوق الصينية، لكن تحويل هذه الفرصة إلى واقع اقتصادي ملموس يبقى رهيناً بقدرة الفاعلين الاقتصاديين والدولة على التحرك السريع والفعال قبل حلول موعد الأول من ماي القادم.
م.ز
تم النشر في 16/02/2026
