كشف تقرير حديث لمنظمة "أفروبروميتر" (Afrobarometer) عن مفارقة اقتصادية حادة تعيشها تونس. فبينما تقترب نسبة تملك الهواتف الذكية من الشمولية التامة (95بالمائة)، سجلت البلاد أدنى معدل نفاذ لخدمات الدفع عبر الهاتف الجوال (Mobile Money) في القارة الإفريقية بنسبة لا تتجاوز 12 بالمائة، ما يضعها في المرتبة الأخيرة ضمن 35 دولة شملها الاستطلاع.
التقرير الذي حمل عنوان "من يملك حساباً بنكياً في إفريقيا؟"، أظهر أن تونس التي كانت تاريخياً رائدة في التكنولوجيا، باتت اليوم تتخلف عن ركب التحول المالي الرقمي الإفريقي، فبينما يتمتع 60 بالمائة من البالغين في القارة بحسابات "موبايل موني"، تكتفي تونس بنسبة 12بالمائة فقط، وهي نسبة تضعها بعيداً خلف دول مثل موريشيوس والسيشيل، وحتى المغرب التي سجلت نسب العمليات البنكية وتغطية مالية أعلى بكثير.
وعلى مستوى العمليات البنكية التقليدية، أشار التقرير إلى أن 33بالمائة فقط من التونسيين يملكون حسابات بنكية، مما وضع تونس في المرتبة 17 إفريقياً، وهو رقم يعكس فجوة عميقة في الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية.
ورغم هذا التأخر على الصعيد القاري، تشير بيانات البنك المركزي التونسي ومؤشرات مطلع عام 2026 إلى "صحوة رقمية" بدأت تلوح في الأفق. فخلال النصف الأول من عام 2025، شهدت معاملات الدفع عبر الهاتف الجوال قفزة استثنائية، حيث تضاعف عدد العمليات 6 مرات مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024، وبلغت قيمة المعاملات نحو 600 مليون دينار.
ويرى خبراء اقتصاديون أن العائق لم يكن يوماً تقنياً، بل هو هيكلي بامتياز. فالثقافة المالية التونسية لا تزال مرتبطة بقوة بالتعامل النقدي "الكاش" هرباً من الأعباء الجبائية أو لضعف الثقة في المنظومات الرقمية الناشئة.
ولتجاوز هذا "الضعف الرقمي"، تراهن الدولة التونسية في استراتيجيتها لعام 2026 على عدة محاور أبرزها تعميم الهوية الرقمية لتبسيط فتح الحسابات المالية عن بُعد.
وتفعيل منصة "PaySmart": التي بدأت في توحيد خدمات الدفع الإلكتروني وتسهيل خلاص الفواتير والخدمات العامة علاوة على تنويع الفاعلين من خلال تشجيع مؤسسات الدفع لكسر احتكار البنوك التقليدية والوصول إلى الفئات غير المنتمية للمنظومة البنكية، خاصة في المناطق الداخلية.
بالمقابل، حذَر تقرير "آفاق البنوك التونسية 2026" من استمرار حالة "الاستقرار الهش"، حيث لا يزال نمو القروض البنكية ضعيفاً (نحو 3بالمائة)، مما يجعل من "الموبايل موني" ضرورة لا غنى عنها لتحفيز الادخار الوطني وتعبئة الموارد المالية الداخلية اللازمة لتمويل الاستثمارات المنتجة.
ويبقى التحدي الأكبر أمام تونس هو تحويل "الهاتف الذكي" من أداة للتواصل الاجتماعي إلى محفظة مالية قادرة على دفع عجلة الاقتصاد، وهو ما يتطلب ثورة في التشريعات وجرأة أكبر في تغيير السلوك الاستهلاكي للمواطن.
م.ز
تم النشر في 09/02/2026
