
تشير أحدث البيانات الصادرة عن البنك المركزي التونسي في نشريته حول وسائل الدفع إلى تحولات جذرية تشهدها منظومة الدفع في تونس خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الحالية، حيث ارتفع حجم العمليات المالية وقيمها عبر مختلف الوسائط، مع تسجيل تغييرات لافتة في سلوك الأفراد والمؤسسات.
وبعد مرور حوالي 8 اشهر من تفعيل المنصة الوطنية للتداول في شيكات (2 فيفري 2025) ، اتسع استخدام الكمبيالات بشكل لافت، في مقابل تراجع حاد في استعمال الشيكات، فقد سجلت الكمبيالات 3.4 ملايين عملية بقيمة 39.8 مليار دينار، مسجلة نمواً استثنائياً بـ 160 بالمائة في الحجم و58.6 بالمائة في القيمة.
في المقابل، تراجعت عمليات الشيكات إلى 5.9 ملايين عملية فقط (-68%)، بإجمالي 40.2 مليار دينار (-58%). ويعكس هذا الاتجاه تحوّلاً تدريجياً لدى المؤسسات نحو الكمبيالات باعتبارها أداة لتأمين المعاملات ومنح آجال للدفع، في مقابل تراجع الثقة في الشيكات نتيجة ارتفاع المنازعات وتزايد حالات عدم الدفع.
ومن جانب اخرأظهرت هذه البيانات انه لا يزال التحويل البنكي يحتفظ بموقعه كأهم وسيلة للدفع من حيث الحجم والقيمة، فقد بلغ عدد العمليات المسجلة 28.1 مليون عملية بقيمة إجمالية قدرها 58 مليار دينار، مسجلاً نمواً بـ 10،2 بالمائة في عدد العمليات و42 بالمائة في قيمة الأموال المتداولة.
ويعكس هذا التطور المتسارع ارتفاع الثقة في الخدمات الرقمية والمنصات البنكية الحديثة، التي أصبحت جزءاً أساسياً من المعاملات اليومية للأفراد والمؤسسات. من جانبه، واصل الخصم المباشر (prélèvement) تعزيز حضوره، إذ بلغ عدد العمليات 5.9 ملايين عملية بقيمة 23 مليار دينار، محققاً نمواً بـ 22.3 بالمائة من حيث العدد و25.4 بالمائة من حيث القيمة.
ويؤكد هذا الأداء توسع استخدام هذه الخدمة في تسديد الفواتير والمعاملات الدورية، مستفيداً من سهولة الاستخدام والاعتماد الواسع عليها. ورغم التطور الكمي في وسائل الدفع، تسجل المنظومة معدلات رفض مرتفعة ما تزال تمثل تحدياً. فقد بلغت نسبة الرفض 47.5 بالمائة من حيث العدد في عمليات الخصم المباشر، و10.2 بالمائة في الكمبيالات و2.2 بالمائة في الشيكات.
أما من حيث القيمة، فقد وصلت نسب الرفض إلى 8.8 بالمائة للكمبيالات و6.6 بالمائة للخصم المباشر، و4 بالمائة للشيكات. هذه المؤشرات، بحسب خبراء، تعكس استمرار بعض الإشكاليات المتعلقة بعدم كفاية الرصيد أو الأعطال التقنية أو أخطاء المعالجة، مما يتطلب تعزيز آليات الرقابة والتحسين الرقمي.
اجمالا تُظهر حصيلة الأشهر التسعة الأولى من العام ديناميكية متسارعة في وسائل الدفع بتونس، مع صعود غير مسبوق للكمبيالات وتراجع واضح للشيكات، مقابل نمو ثابت للوسائل الرقمية. ويبدو أن التحول نحو الدفع الإلكتروني والاعتماد على أدوات مضمونة كالكمبيالات سيظل مرشحاً للتواصل خلال الفترة المقبلة، في ظل التحديثات المتواصلة للمنظومة البنكية.
م.ز
تم النشر في 26/11/2025
