version française ilboursa

بطالة حاملي الشهائد العليا وشغور المصانع: لماذا القطيعة بين الجامعة والمؤسسة في تونس؟

 

يواجه الشباب التونسي اليوم مفارقة صارخة تثير الحيرة والقلق في آن واحد؛ فبينما يطرق آلاف الخريجين أبواب المكاتب بحثاً عن بصيص أمل في وظيفة، ترفع قطاعات حيوية مثل صناعة السيارات والرقمنة والسياحة راية الاستغاثة، معلنةً عن عجزها عن إيجاد الكفاءات المطلوبة. ووضع تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأخير حول تونس، الإصبع على الجرح، مفككاً "الآلة" التي تعطلت بين مقاعد الدراسة ومكاتب التشغيل.

ووفق منصة ايكو توس التابعة للمعهد العربي لرؤساء المؤسسات، لم تعد الأرقام مجرد إحصائيات جافة، بل باتت تعكس واقعاً اجتماعياً متفجراً. فمع بلوغ نسبة البطالة العامة حوالي 18 بالمائة وتجاوزها عتبة الـ 40 بالمائة لدى فئة الشباب دون 25 عاماً، يطرح السؤال الجوهري: كيف يمكن لبلد يستثمر بكثافة في التعليم أن يحصد هذا الكم من العطالة القسرية؟

يرى التقرير أن النظام التعليمي التونسي، رغم توسعه الكمي منذ التسعينات، ظل سجين تخصصات كلاسيكية (علوم إنسانية، حقوق، اقتصاد) لم يعد الاقتصاد "الواقعي" قادراً على استيعابها.

في المقابل، تشهد قطاعات التكنولوجيا والميكانيك طلباً محموماً على مهندسين وفنيين سامين يتقنون اللغات الأجنبية والمهارات التقنية الدقيقة. الأزمة تبدأ من "الأساس"؛ حيث يشير التشخيص إلى ضعف المكتسبات في التعليم الابتدائي، وصعوبة التأقلم مع الانتقال اللغوي من العربية إلى الفرنسية في الثانوي، مما يخلق حاجزاً معرفياً يحرم أبناء الفئات الهشة من الولوج إلى التخصصات العلمية والتقنية الواعدة.

ولا تقتصر المشكلة على التكوين فحسب، بل تمتد إلى قوانين اللعبة في سوق الشغل. تونس تعيش نظاماً مزدوجاً من جهة عقود العمل لفترة غير محددة (CDI) توصف بأنها "حصون منيعة"، حيث يصعب جداً على المؤسسة تسريح العمال لأسباب اقتصادية، مما يجعل أصحاب العمل يترددون ألف مرة قبل توظيف شاب جديد بعقد مستقر ومن جهة أخرى عقود العمل لفترة محددة (CDD) وتمثل الجانب الهش، حيث يفتقد الشاب للأمان الوظيفي، وتفتقد المؤسسة للحافز للاستثمار في تدريبه، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاجية.

كما لا يزال القطاع العام في تونس يمثل "الفردوس المنشود" للكثيرين بفضل الامتيازات والاستقرار المطلق. هذا الواقع خلق ثقافة "الانتظار"؛ حيث يفضل آلاف الخريجين البقاء في حالة بطالة لسنوات على أمل الفوز بمناظرة وطنية، بدلاً من المغامرة في القطاع الخاص الذي يُنظر إليه غالباً كقطاع غير مجزٍ أو غير مستقر.

لم يكتفِ تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالتشخيص، بل طرح ثلاث ركائز للإصلاح. تتمثل الركيزة الأولى في ضرورة حصول ثورة في التعليم بمراجعة جودة التكوين منذ الصغر، وجعل التعليم المهني مساراً للنخبة وليس "ملاذاً للفاشلين"، مع ربط الجامعات مباشرة بالحاجيات المحلية للمؤسسات.

وتهم الركيزة الثانية إعادة توازن القوانين من خلال حماية أقل لجمود العقود الدائمة مقابل حماية أكبر للعقود المحدودة (عبر التغطية الاجتماعية والتعويضات)، لخلق مرونة تخدم الطرفين.

اما الركيزة الثالثة فتهم تحفيز القطاع الخاص عبر تخفيف الأعباء الجبائية على الرواتب الضعيفة لتشجيع التشغيل القانوني، وفتح مناظرات الوظيفة العمومية بناءً على الكفاءة والخبرة المكتسبة في الخاص، لكسر الحاجز النفسي بين القطاعين.

اجمالا إن معالجة أزمة التشغيل في تونس ليست مجرد إجراءات تقنية، بل هي مشروع وطني يتطلب شجاعة سياسية لإعادة بناء جسر الثقة بين المدرسة، المؤسسة، والدولة. إن مستقبل تونس مرتبط بقدرتها على تحويل "عبء" شبابها العاطل إلى "محرك" لنموها الاقتصادي.

ولعل احداث المجلس الاعلى للتربية المنتظر تركيزه في غضون هذه السنة وبحرص من رئيس الدولة قيس سعيد، قد يحدث تغييرا جوهريا وجذريا في منظومة التعليم وخاصة التكوين في تونس وتجاوز الصعوبات التي تعرفها منظومة التربية والتعليم في تونس.

م.ز

 

تم النشر في 06/03/2026

الأكثر قراءة