
كشف تقرير بحثي حديث للمعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية عن تراجع مقلق في جاذبية مناخ الأعمال في تونس، محذراً من استمرار "التدهور البطيء والمستمر" الذي أدى إلى فقدان البلاد لثماني مراتب دولية في ظرف خمس سنوات.
ودعا المعهد في هذا التقرير البحثي إلى ضرورة تفعيل "رافعات عمل" عاجلة لإعادة بناء الثقة بين القطاعين العام والخاص. وأفاد التقرير أن تونس احتلت المرتبة 47 من بين 59 دولة تمت دراستها وفق "المؤشر المركب لمناخ الأعمال" (ICCA) للفترة ما بين 2017 و2022، بعد أن كانت في المركز 39.
تحديات هيكلية
وصنَف التقرير تونس ضمن "المجموعة الخامسة"، وهي الفئة الأقل أداءً التي تضم اقتصاديات تواجه تحديات هيكلية مماثلة مثل مصر وتركيا والأردن. وبيّنت نتائج سبر آراء شمل أكثر من 1000 مؤسسة خاصة أن رؤساء المؤسسات يحملون نظرة "سلبية إجمالية" تجاه مناخ الأعمال، باستثناء الشركات المصدرة كلياً التي تبدو أكثر تفاؤلاً. وتمحورت أبرز مخاوف المستثمرين حول "التعقيد الجبائي"، "وعدم مرونة سوق الشغل"، و"عدم استقرار الوضع الاجتماعي".
ثلاثة محاور لإعادة الإقلاع الاقتصادي
شدد المعهد على أن الإصلاح لا يجب أن يقتصر على الجوانب التقنية، بل يجب أن يهدف إلى استعادة الثقة من خلال ثلاثة محاور رئيسية:
1- تحسين العوامل المؤسساتية: عبر ضمان استقرار القوانين والتشريعات وتطوير رؤية اقتصادية واضحة وطويلة المدى، مما يوفر للمستثمر الرؤية الضرورية لاتخاذ قراراته.
2- تعزيز الحوكمة الرشيدة:من خلال تسريع رقمنة الإدارة وتطوير استراتيجيات قطاعية واضحة لتعزيز التنافسية في كل مجال على حدة.
3- دعم المؤسسات وتطوير الاقتصاد الرقمي:دعا التقرير إلى تفعيل آليات تحفيزية أكثر نجاعة للاستثمار، والتركيز على اقتصاد المعرفة والبحث والتطوير.
"الفجوة" بين المؤسسات المقيمة والمصدرة
من جانب اخر أشار التقرير إلى مفارقة مهمة: بينما يسود التشاؤم لدى أغلب الشركات، فإن الشركات العاملة تحت نظام التصدير الكلي لديها إدراك أكثر إيجابية.
وهذا يعني أن المشكلة ليست في "تونس كوجهة استثمارية" بحد ذاتها، بل في البيروقراطية والمنظومة الجبائية المحلية التي تخضع لها الشركات المقيمة. هذا المؤشر يضغط باتجاه ضرورة توحيد الامتيازات أو على الأقل تخفيف العبء عن القطاع المقيم ليتمكن من المنافسة.
كما اظهر التقرير أنه على الحكومة التونسية ألا تكتفي بتغيير القوانين، بل عليها العمل على "تسويق الأمل" وتقديم ضمانات سياسية تعيد الطمأنينة لنفوس الفاعلين الاقتصاديين.
التبعية الطاقية والبيئية
وضع ذات التقرير تونس في منطقة حرجة بالنسبة للاستدامة البيئية وكفاءة استخدام الموارد. في ظل القوانين الأوروبية الجديدة (مثل ضريبة الكربون الحدودية)، قد تجد الصادرات التونسية صعوبة في دخول الأسواق العالمية إذا لم يتم الاستثمار عاجلاً في الطاقات المتجددة و"الاقتصاد الأخضر".
كما أثبت التقرير أن أداء تونس الاقتصادي ليس معزولاً، بل يتأثر بشدة بـ أداء جيرانها (تأثير العدوى الإيجابية أو السلبية)، مؤكدا أن استقرار ليبيا وانتعاش الجزائر أو التعاون الوثيق مع المغرب والاتحاد الأوروبي ليس مجرد خيار ديبلوماسي، بل هو ضرورة تقنية لتحسين مؤشرات تونس الخاصة، لأن "العدوى الإقليمية" تؤثر على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
الثقة كشرط أساسي للنمو
وأكد التقرير إلى أن تحسين مناخ الأعمال في تونس يمر حتماً عبر "المستوى العاطفي" للقادة الاقتصاديين؛ حيث أن المشاعر الإيجابية كالتفاؤل هي المحرك الأساسي الذي يحول التصورات العقلانية إلى قرارات استثمارية جريئة.
وخلص المعهد الى أن مواجهة "العجز في النضج والاستدامة" تتطلب تبسيط الإجراءات الديوانية وتأمين الاستقرار الماكرو-اقتصادي لخلق حلقة تنموية فضيلة تضمن النمو والتشغيل.
م.ز
تم النشر في 19/02/2026
