
احتلت تونس المرتبة 60 عالمياً بنسبة 55 بالمائة من المعاملات المالية التي تتم نقداً (الكاش) وفق ما نشره موقع Visual Capitalist مؤخراً تصنيفاً عالمياً لنسبة استخدام النقد في المعاملات اليومية.
وتعتبر وضعية تونس من خلال هذا التصنيف أفضل مقارنة بعدة دول أوروبية مثل إسبانيا (57 بالمائة)، سلوفينيا (57 بالمائة)، سلوفاكيا (57 بالمائة)، إيطاليا (62 بالمائة)، فضلاً عن المغرب (65 بالمائة).
وتشير بيانات البنك المركزي التونسي إلى بلوغ قيمة الأموال المتداولة خارج الجهاز البنكي (Billets et Monnaie en Circulation) مستوى قياسياً بلغ 26 مليار دينار الى حدود يوم 3 ديسمبر 2025.
وتنعكس هذه الوضعية على القطاع البنكي، الذي بلغ طلبه على إعادة التمويل بتاريخ 1 ديسمبر 2025 نحو 11 مليار دينار. ويرجع المختصون تنامي ظاهرة التعامل بالكاش إلى عدة عوامل، من بينها ضعف الشمول المالي الذي لا يتجاوز 36 بالمائة حاليا، وارتفاع نسبة تفضيل المستهلكين للتعامل نقداً، إضافة إلى غياب سياسة وطنية واضحة للحد من الاعتماد على الأموال السائلة، وتنامي الاقتصاد الموازي.
ورغم التطور المتسارع في خدمات التكنولوجيا المالية ووسائل الدفع الإلكتروني والبطاقات البنكية، ما يزال التداول بالأموال نقدا (الكاش) يحتل مكانة محورية داخل الاقتصاد الوطني ولدى شريحة واسعة من التونسيين.
وتشير أحدث المؤشرات العالمية إلى أن أكثر من 80 بالمائة من المعاملات في العالم ما تزال تتم نقداً، فيما يؤكد البنك الدولي في دراسة لسنة 2024 أن نحو 1.4 مليار شخص عبر العالم لا يملكون حساباً بنكياً ويعتمدون كلياً على الأموال نقدا.
الدول الفقيرة الأكثر اعتماداً على النقد
بحسب موقع Visual Capitalist الذي نشر مؤخراً تصنيفاً عالمياً لنسبة استخدام النقد في المعاملات اليومية. وتصدّر ميانمار القائمة بنسبة 98 بالمائة من المعاملات، تليها إثيوبيا وغامبيا (95 بالمائة)، ثم ألبانيا وكمبوديا ولاوس ولبنان (90 بالمائة).
في المقابل، جاءت الدول الأكثر تطوراً، وخاصة الإسكندنافية، في مراتب متقدمة من حيث استخدام وسائل الدفع الإلكترونية، على غرار كوريا الجنوبية (10 بالمائة)، النرويج (10 بالمائة)، الصين (10 بالمائة) والسويد (14 بالمائة).
أما أوروبا، فتسجّل مشهداً متبايناً، إذ تؤكد دراسة حديثة للبنك المركزي الأوروبي أن الدفع نقداً ما يزال الوسيلة الأكثر استخداماً في المتاجر، بنسبة 52 بالمائة، رغم تسجيل تراجع تدريجي أمام الدفع بالبطاقات والهاتف المحمول. ولفت التقرير إلى بعض الحالات الخاصة، مثل اليابان التي يصل فيها استخدام النقد إلى 60 بالمائة لأسباب ثقافية، وألمانيا (51 بالمائة) وإيطاليا (62 بالمائة) بسبب حجم الاقتصاد الموازي.
الوضع قد يتفاقم أكثر في تونس
من بين اهم عوامل تفاقم التعامل بالكاش في تونس في الفترة الأخيرة هو قانون الشيكات الذي دخل حيز التنفيذ رسميا في 2 فيفري 2025 من خلال المنصة الالكترونية لمعالجة الصكوك التي أطلقها البنك المركزي والذي شجَع بطريقة عكسية على عدم التعامل بالشيك واللجوء الى الكاش.
تشير أحدث البيانات الصادرة عن البنك المركزي التونسي في نشريته حول وسائل الدفع إلى تحولات جذرية تشهدها منظومة الدفع في تونس خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الحالية، حيث ارتفع حجم العمليات المالية وقيمها عبر مختلف الوسائط، مع تسجيل تغييرات لافتة في سلوك الأفراد والمؤسسات.
وبعد مرور حوالي 8 أشهر من تفعيل المنصة الوطنية للتداول في شيكات (2 فيفري 2025)، اتسع استخدام الكمبيالات بشكل لافت، في مقابل تراجع حاد في استعمال الشيكات، فقد سجلت الكمبيالات 3.4 ملايين عملية بقيمة 39.8 مليار دينار، مسجلة نمواً استثنائياً بـ 160 بالمائة في الحجم و58.6 بالمائة في القيمة. في المقابل، تراجعت عمليات الشيكات إلى 5.9 ملايين عملية فقط (-68%)، بإجمالي 40.2 مليار دينار (-58%).
البرلمان يشجع على استعمال الكاش
من جهة أخرى صادق مجلس نواب والمجلس الوطني للجهات والاقاليم على إلغاء الفصل عدد 45 من قانون المالية لسنة 2028 (الوارد بالفصل 57 من مشروع قانون المالية لسنة 2026) المتعلق بترشيد التعامل بالأموال نقدا.
وفي خطوة غير مدروسة العواقب قام المشرع التونسي بالتشجيع على التداول بالأموال نقدا اذ انه يمكن لأي مواطن تونسي ان يقتني منزلا او سيارة حاملا معه قفة ممتلئة بالأموال من دون مسائلة من الجهات المختصة
وسبق لعدد من الخبراء والمختصين أن حذَروا من هكذا اجراء ما سيشجع على تفاقم استعمال الكاش في تونس وفتح أبواب غسي الأموال على مصراعيها في وقت كابدت فيه البلاد من اجل الخروج من القائمة السوداء لمجموعة العمل الدولي التي وضعت تونس في هذه القائمة
الكاش لا يزال صامدا
ورغم النزعات العالمية نحو تقليص استخدام النقد، يؤكد عدد من الخبراء أن اختفائه ليس هدفاً في حد ذاته. فقد بدأت دول مثل السويد، التي كانت من بين الأكثر تقدماً في الدفع الإلكتروني، تعيد تشجيع المواطنين على استخدام الأموال نقدا في حدود 100 اورو، بعد أن أدى الاعتماد المفرط على الرقمة إلى استبعاد شرائح من المجتمع، خصوصاً كبار السن وسكان المناطق الريفية والفئات ذات الدخل المنخفض.
وتشير مختلف التحاليل إلى أن الأموال السائلة لن تختفي قريباً، رغم تراجع استخدامها في عدة اقتصادات. ومن المنتظر أن يستمر نظام هجين يجمع بين وسائل الدفع الرقمية والنقدية، مع ضرورة وضع سياسات وطنية واضحة لتنظيم المعاملات وتحسين الشمول المالي بما يخدم المنظومة الاقتصادية ككل
م.ز
تم النشر في 04/12/2025
